فصل: تفسير الآيات (87- 88):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم التنزيل المشهور بـ «تفسير البغوي»



.تفسير الآية رقم (80):

{وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80)}
قوله عز وجل: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} والمراد من المدخل والمخرج: الإدخال والإخراج واختلف أهل التفسير فيه:
فقال ابن عباس والحسن وقتادة: {أدخلني مدخل صدق}: المدينة. {وأخرجني مخرج صدق}: مكة، نزلت حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة.
وقال الضحاك: {وأخرجني مخرج صدق}: من مكة آمنا من المشركين {وأدخلني مدخل صدق}: مكة ظاهرا عليها بالفتح.
وقال مجاهد: أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة مدخل صدق الجنة وأخرجني من الدنيا وقد قمت بما وجب علي من حقها مخرج صدق.
وعن الحسن أنه قال: {أدخلني مدخل صدق}: الجنة {وأخرجني مخرج صدق}: من مكة.
وقيل: أدخلني في طاعتك وأخرجني من المناهي وقيل: معناه أدخلني حيث ما أدخلتني بالصدق وأخرجني بالصدق، أي: لا تجعلني ممن يدخل بوجه ويخرج بوجه فإن ذا الوجهين لا يكون آمنا ووجيها عند الله.
ووصف الإدخال والإخراج بالصدق لما يؤول إليه الخروج والدخول من النصر والعز ودولة الدين كما وصف القدم بالصدق فقال: {أن لهم قدم صدق عند ربهم} [يونس- 2].
{وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} قال مجاهد: حجة بينة وقال الحسن: ملكا قويا تنصرني به على من ناوأني وعزا ظاهرا أقيم به دينك. فوعده الله لينزعن ملك فارس والروم وغيرهما فيجعله له.
قال قتادة: علم نبي الله صلى الله عليه وسلم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان نصير فسأل سلطانا نصيرا: كتاب الله وحدوده وإقامة دينه.

.تفسير الآية رقم (81):

{وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)}
قوله عز وجل: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ} يعني القرآن {وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} أي: الشيطان قال قتادة وقال السدي: {الحق}: الإسلام و{الباطل}: الشرك وقيل: {الحق}: عبادة الله و{الباطل}: عبادة الأصنام.
{إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} ذاهبا يقال: زهقت نفسه أي خرجت.
أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي حدثنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا صدقة بن الفضل حدثنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: {جاء الحق وزهق الباطل} {جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد}.

.تفسير الآيات (82- 83):

{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا (82) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (83)}
قوله عز وجل: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} قيل: {من} ليس للتبعيض ومعناه: وننزل من القرآن ما كله شفاء أي: بيان من الضلالة والجهالة يتبين به المختلف ويتضح به المشكل ويستشفى به من الشبهة ويهتدى به من الحيرة فهو شفاء القلوب بزوال الجهل عنها ورحمة للمؤمنين.
{وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا} لأن الظالم لا ينتفع به والمؤمن من ينتفع به فيكون رحمة له.
وقيل: زيادة الخسارة للظالم من حيث أن كل آية تنزل يتجدد منهم تكذيب ويزداد لهم خسارة.
قال قتادة: لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان قضى الله الذي قضى شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا. قوله تعالى: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ أَعْرَضَ} عن ذكرنا ودعائنا {وَنَأَى بِجَانِبِهِ} أي تباعد عنا بنفسه أي ترك التقرب إلى الله بالدعاء وقال عطاء: تعظم وتكبر ويكسر النون والهمزة حمزة والكسائي ويفتح النون ويكسر الهمزة أبو بكر وقرأ ابن عامر وأبو جعفر {وناء} مثل جاء قيل: هو بمعنى نأى وقيل: ناء من النوء وهو النهوض والقيام.
{وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ} الشدة والضرر {كَانَ يَئُوسًا} أي آيسا قنوطا. وقيل: معناه أنه يتضرع ويدعو عند الضر والشدة فإذا تأخرت الإجابة يئس ولا ينبغي للمؤمن أن ييأس من الإجابة وإن تأخرت فيدع الدعاء.

.تفسير الآيات (84- 85):

{قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا (84) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا (85)}
قوله عز وجل: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} قال ابن عباس: على ناحيته.
قال الحسن وقتادة على نيته.
وقال مقاتل: على خليقته.
قال الفراء على طريقته التي جبل عليها.
وقال القتيبي: على طبيعته وجبلته.
وقيل: على السبيل الذي اختاره لنفسه وهو من الشكل يقال: لست على شكلي ولا شاكلتي وكلها متقاربة تقول العرب: طريق ذو شواكل إذا تشعبت منه الطرق. ومجاز الآية: كل يعمل على ما يشبهه كما يقال في المثل: كل امرئ يشبهه فعله.
{فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا} أوضح طريقا. قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} الآية.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا قيس بن حفص حدثنا عبد الواحد- يعني ابن زياد- حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: بينا أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث المدينة وهو يتوكأ على عسيب معه فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح وقال بعضهم: لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه فقال بعضهم لنسألنه فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟ فسكت فقلت: إنه يوحى إليه فقمت فلما انجلى عنه الوحي قال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا} قال الأعمش: هكذا في قراءتنا.
وروي عن ابن عباس أنه قال: إن قريشا قد اجتمعوا وقالوا: إن محمدا نشأ فينا بالأمانة والصدق وما اتهمناه بكذب وقد ادعى ما ادعى فابعثوا نفرا إلى اليهود بالمدينة واسألوهم عنه فإنهم أهل كتاب فبعثوا جماعة إليهم فقالت اليهود: سلوه عن ثلاثة أشياء فإن أجاب عن كلها أو لم يجب عن شيء منها فليس بنبي وإن أجاب عن اثنين ولم يجب عن واحدة فهو نبي فسلوه عن فتية فقدوا في الزمن الأول ما كان من أمرهم؟ فإنه كان لهم حديث عجيب وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها ما خبره وعن الروح؟ فسألوه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أخبركم بما سألتم غدا ولم يقل إن شاء الله فلبث الوحي- قال مجاهد: اثني عشرة ليلة وقيل: خمسة عشر يوما وقال عكرمة: أربعين يوما- وأهل مكة يقولون: وعدنا محمد غدا وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيء حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم من مكث الوحي وشق عليه ما يقوله أهل مكة ثم نزل جبريل بقوله: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله} ونزل في قصة الفتية {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا} ونزل فيمن بلغ الشرق والغرب {ويسئلونك عن ذي القرنين} ونزل في الروح {ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي}.
واختلفوا في الروح الذي وقع السؤال عنه فروي عن ابن عباس: أنه جبريل وهو قول الحسن وقتادة.
وروي عن علي أنه قال: هو ملك له سبعون ألف وجه لكل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله تعالى بكلها.
وقال مجاهد: خلق على صور بني آدم لهم أيد وأرجل ورءوس وليسوا بملائكة ولا ناس يأكلون الطعام.
وقال سعيد بن جبير: لم يخلق الله تعالى خلقا أعظم من الروح غير العرش لو شاء أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع ومن فيها بلقمة واحدة لفعل صورة خلقه على صورة خلق الملائكة وصورة وجهه على صورة الآدميين يقوم يوم القيامة عن يمين العرش وهو أقرب الخلق إلى الله عز وجل اليوم عند الحجب السبعين وأقرب إلى الله يوم القيامة وهو ممن يشفع لأهل التوحيد ولولا أن بينه وبين الملائكة سترا من نور لاحترق أهل السموات من نوره.
وقيل: الروح هو القرآن.
وقيل: المراد منه عيسى عليه السلام فإنه روح الله وكلمه ومعناه: أنه ليس كما يقول اليهود ولا كما يقوله النصارى.
وقال قوم: هو الروح المركب في الخلق الذي يحيا به الإنسان وهو الأصح.
وتكلم فيه قوم فقال بعضهم: هو الدم ألا ترى أن الحيوان إذا مات لا يفوت منه شيء إلا الدم؟
وقال قوم: هو نفس الحيوان بدليل أنه يموت باحتباس النفس.
وقال قوم: هو عرض.
وقال قوم: هو جسم لطيف.
وقال بعضهم: الروح معنى اجتمع فيه النور والطيب والعلو والبقاء ألا ترى أنه إذا كان موجودا يكون الإنسان موصوفا بجميع هذه الصفات فإذا خرج ذهب الكل؟
وأولى الأقاويل: أن يوكل علمه إلى الله عز وجل وهو قول أهل السنة. قال عبد الله بن بريدة: إن الله لم يطلع على الروح ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا.
وقوله عز وجل: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} قيل من علم ربي.
{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا} أي: في جنب علم الله قيل هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم.
وقيل: خطاب لليهود لأنهم كانوا يقولون أوتينا التوراة وفيها العلم الكثير.
وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم معنى الروح ولكن لم يخبر به أحدا لأن ترك إخباره به كان علما لنبوته.
والأول أصح لأن الله عز وجل استأثر بعلمه.

.تفسير الآية رقم (86):

{وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلا (86)}
قوله تعالى: {وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} يعني القرآن. معناه: إنا كما منعنا علم الروح عنك وعن غيرك لو شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك يعني القرآن {ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلا} أي: من يتوكل برد القرآن إليك.

.تفسير الآيات (87- 88):

{إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)}
{إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} هذا استثناء منقطع معناه: ولكن لا نشاء ذلك رحمة من ربك.
{إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا} فإن قيل: كيف يذهب القرآن وهو كلام الله عز وجل؟
قيل: المراد منه: محوه من المصاحف وإذهاب ما في الصدور.
وقال عبد الله بن مسعود: اقرؤوا القرآن قبل أن يرفع فإنه لا تقوم الساعة حتى يرفع. قيل: هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الناس؟ قال يسري عليه ليلا فيرفع ما في صدورهم فيصبحون لا يحفظون شيئا ولا يجدون في المصاحف شيئا ثم يفيضون في الشعر.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث نزل له دوي حول العرش كدوي النحل فيقول الرب ما لك وهو أعلم؟ فيقول: يا رب أتلى ولا يعمل بي. قوله جل وعلا {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} لا يقدرون على ذلك {وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} عونا ومظاهرا.
نزلت حين قال الكفار: لو نشاء لقلنا مثل هذا فكذبهم الله تعالى.
فالقرآن معجز في النظم والتأليف والإخبار عن الغيوب وهو كلام في أعلى طبقات البلاغة لا يشبه كلام الخلق لأنه غير مخلوق ولو كان مخلوقا لأتوا بمثله.

.تفسير الآيات (89- 90):

{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا (89) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا (90)}
قوله عز وجل: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} من كل وجه من العبر والأحكام والوعد والوعيد وغيرها {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا} جحودا. قوله عز وجل: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ} لن نصدقك {حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا} قرأ أهل الكوفة ويعقوب {تفجر} بفتح التاء وضم الجيم مخففا لأن الينبوع واحد وقرأ الباقون بالتشديد من التفجير واتفقوا على تشديد قوله: {فَتُفَجِّرَ الأنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا} لأن الأنهار جمع والتشديد يدل على التكثير ولقوله: {تفجيرا} من بعد.
وروى عكرمة عن ابن عباس: أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب والنضر بن الحارث وأبا البختري بن هشام والأسود بن عبد المطلب وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف والعاص بن وائل ونبيها ومنبها ابني الحجاج اجتمعوا ومن اجتمع معهم بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا وهو يظن أنه بدا لهم في أمره بدء وكان عليهم حريصا يحب رشدهم حتى جلس إليهم فقالوا: يا محمد إنا بعثنا إليك لنعذر فيك وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك لقد شتمت الآباء وعبت الدين وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة فما بقي أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بينك وبيننا فإن كنت جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جعلنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت تطلب الشرف سودناك علينا وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا وإن كان هذا الأمر الذي بك رئي تراه حتى قد غلب عليك لا تستطيع رده بذلنا لك أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك وكانوا يسمون التابع من الجن: الرئي.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به لطلب أموالكم ولا الشرف عليكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم.
فقالوا: يا محمد إن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد أضيق منا بلادا ولا أشد منا عيشا فسل لنا ربك الذي بعثك فليسير عنا هذه الجبال فقد ضيقت علينا ويبسط لنا بلادنا ويفجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق وليبعث لنا من مضى من آبائنا وليكن منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخا صدوقا فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل؟ فإن صدقوك صدقناك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بهذا بعثت فقد بلغتكم ما أرسلت به فإن تقبلوه مني فهوحظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه أصبر لأمر الله.
قالوا: فإن لم تفعل هذا فسل ربك أن يبعث لنا ملكا يصدقك، واسأله أن يجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه.
فقال: ما بعثت بهذا ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا.
قالوا: فأسقط السماء كما زعمت إن ربك لو شاء فعل.
فقال: ذلك إلى الله إن شاء فعل ذلك بكم فعله.
وقال قائل منهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا.
فلما قالوا ذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام معه عبد الله بن أبي أمية وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا عليك فلم تقبله منهم ثم سألوك لأنفسهم أمورا يعرفون بها منزلتك من الله تعالى فلم تفعل ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل فوالله لا أؤمن لك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ترقى فيها وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي بنسخة منشورة معك ونفر من الملائكة يشهدون لك بما تقول وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أن لا أصدقك فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا لما رأى من مباعدتهم فأنزل الله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ} يعني: أرض مكة {يَنْبُوعًا} أي: عيونا.